ابن ميثم البحراني
118
شرح نهج البلاغة
بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ - ولَا تَسْأَلُوا فِيهَا فَوْقَ الْكَفَافِ - ولَا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلَاغِ أقول : هذا الفصل ملتقط من خطبة طويلة له عليه السّلام خطب بها يوم الفطر . وهو غير متّسق بل بين قوله : نعمة ، وقوله : والدنيا . فصل طويل . وهذه الخطبة تنتظم الفصل المتقدّم ، وهو قوله : أمّا بعد فإنّ الدنيا قد أدبرت وهو فيها بعد هذا الفصل ولم نذكرها كراهة التطويل ، ولنعد إلى الشرح فنقول : القنوط . اليأس . والاستنكاف : الاستكبار . ومنى لها : أي قدر . والجلاء بالفتح والمدّ : الخروج عن الوطن . والتبست : امتزجت . والكفاف : ما كفّ عن الناس أي أغنى عنهم من المال . والبلاغ : ما بلغ مدّة الحياة منه وكفى . وأعلم أنّه نبّه على استحقاق اللَّه تعالى للحمد ودوامه باعتبار ملاحظة ستّة أحوال : فأشار إلى الحالة الأولى بقوله : غير مقنوط من رحمته مقررّا لقوله تعالى « وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ » ( 1 ) ولقوله « لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » ( 2 ) وهذه الحال ممّا يشهد بإثباتها العقل إذ كان العبد عند أخذ العناية الإلهيّة بضبعيه يعلم استناد جميع الموجودات كلَّيّها وجزئيّها إلى مدبّر حكيم ، وأنّه ليس شيء منها خاليا عن حكمة فيستليح من ذلك أنّ ايجاده له وأخذ العهد إليه بالعبادة ليس إلَّا لينجذب إلى موطنه الأصليّ ومبدئه الأوّلى بالتوحيد المحقّق والحمد المطلق عن نار اجّجت وجحيم سعّرت ، وما خلقت الجنّ والإنس إلَّا ليعبدون ، فلا ييأس من روح اللَّه عند نزول أمر واجب النزول به ممّا يعدّه شرّا بل يكون برجائه أوثق وقلبه بشموله العناية له أعلق فإنّه لا ييأس من روح اللَّه إلَّا الَّذين عميت أبصار بصائرهم عن أسرار اللَّه ، فهم في طغيانهم يعمهون وأولئك هم الخاسرون . وأشار إلى الحالة الثانية بقوله : ولا مخلوّ من نعمته . تقريرا لقوله تعالى « وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ » فسبوغ نعمته دائم لآثار قدرته الَّتي استلزمت طبائعها الحاجة إليه فوجب لها
--> ( 1 ) 7 - 55 ( 2 ) 12 - 87